لماذا لا تنقسم بلجيكا إلى دولتين؟: دولة فلاندرن ودولة والونيا

موقع أخبار بلجيكا الآن _ قد تبدو بلجيكا للزائر العابِر كدولة هادئة مُوحَّدة بالشوكولاتة اللذيذة والبيرة والأراضي المُنبَسطة. لكن الواقع أكثر تعقيداً وإثارة للدهشة. حيث أن بلجيكا مملكة أو دولة تعيش تناقضاً صارخاً.
الإنقسام في بلجيكا هو الذي يُحدّد كل شيء
1. فلاندرن: وهي تقع في شمال بلجيكا وسكانها ناطقون باللغة الهولندية (الفلمانية). لديها إقتصاد قوي، ونسبة بطالة منخفضة، وميول إنفصالية ظاهرة لدى قطاع سياسي وخاصّة من حزب “فلامس بيلانغ” الذي يُريد الإنفصال عن والونيا، والإعتراف بدولة “فلاندرن”.
2. والونيا: وتقع في جنوب بلجيكا وسكّانها ناطقون باللغة الفرنسية. لديها إقتصاد تقليدي (صناعة ثقيلة سابقة). لكن لديها نسبة بطالة أعلى، وتحصل على مساعدات من فلاندرن، ولديها نزعة إجتماعية ديمقراطية، وتريد الحفاظ على إتحاد بلجيكا.
3. العاصمة بروكسل: وهي مدينة أغلب سكانها يتحدثون اللغة الفرنسية، ولكن بها سكان يتحدثون اللغة الهولندية. وهي العاصمة البلجيكية الفيدرالية، وأيضاً عاصمة أوروبا.
ملاحظة: كل واحدة من الثلاثة بالأعلى، لديها حكومة خاصّة بهم. بالتالي بلجيكا لديها 4 حكومات، وليس 3 حكومات، والسبب أن بلجيكا فيدرالية. وتعني كلمة فيدرالية أي إتحادية أو على مستوى الوطن. وهذا يعني أن يُوجَد الحكومة البلجيكية الفيدرالية التي تحكم بلجيكا كلها. وتنقسم منها الحكومة الفلمانية والحكومة الوالونية وحكومة بروكسل. وبالتالي عندما تسمع بالشرطة البلجيكية الفيدرالية، أي الشرطة التي تعمل في بلجيكا كلها، وليس في قسم منها.
الغرابة في التفاصيل
1. الحكومة البلجيكية الفيدرالية مُعقّدة: حيث أن كل إقليم (فلاندرن، والونيا، بروكسل) حكومتها الخاصة وبرلمانها في قضايا مثل الإقتصاد والبيئة والنقل. أما الحكومة البلجيكية الفيدرالية تتولّى قضايا مثل وزارة الدفاع والعدالة والضمان الإجتماعي. وهذا يعني أن المواطن العادي يحكمه أكثر من حكومة واحدة!
2. لا توجد قنوات تلفزيونية وطنية في بلجيكا: هناك محطّات منفصلة تماماً باللغة الهولندية مثل قناة (VRT) وباللغة الفرنسية قناة (RTBF). لكن منتخب بلجيكا لكرة القدم (الشياطين الأحمر) هم الإستثناء النادر الذي يُوّحد جميع الأقاليم في بلجيكا.
3. حياة موازية في بلجيكا: غالباً ما يتعلم البلجيكيون في الجانب الفلماني اللغة الفرنسية في المدرسة. لكن الوالونيين لا يُحبّون تعلُّم اللغة الهولندية. حيث أن الشاب الفلماني قد لا يختلط كثيراً مع الشاب الوالوني طوال حياته إلا في الجامعات الكبرى أو أماكن العمل في مدينة بروكسل.
السؤال الكبير: ما الذي يبقي بلجيكا متماسكة؟
1. بروكسل: ليست مجرد عاصمة، بل هي “الكرة الذهبية” وعاصمة الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو. حيث أن إنفصال فلاندرن يعني خسارة مدينة بروكسل الحيوية، وهذا له ثمن سياسي وإقتصادي باهظ.
2. الملكية: الملك البلجيكي (فيليب حالياً) رمز الوحدة الوحيد الذي يحترمه الطرفان، وهو حجر الزاوية في أي أزمة سياسية لتشكيل الحكومة في بلجيكا (والتي قد تستغرق شهوراً أحياناً!). حتى أن حكومة بروكسل لم تتشكّل منذ سنتان حتى كتابة هذا المقال.
3. الرعاية الإجتماعية والضرائب في بلجيكا: النظام الإجتماعي والضريبي مُوحّد على المستوى الوطني الفيدرالي. لذلك أي إنفصال سيثير أسئلة شائكة، مثل: من سيتحمّل ديون الدولة البلجيكية؟ وكيف سيتقاسمون المعاشات التقاعدية؟
4. “المصلحة المكتسبة”: النُخَب السياسية والإقتصادية في فلاندرن ووالونيا إستفادت من هذا النظام المُعقّد، وخلقت شبكة مصالح مُتشابكة يصعب تفكيكها.
5. الروتين البلجيكي: حيث إعتاد البلجيكيون على هذه التعقيدات. النظام يعمل، والمستوى المعيشي مرتفع، والصراع غالباً ما يكون لفظياً في البرلمان البلجيكي ووسائل الإعلام، وليس في الشوارع. حيث أن “الصراع بين الأقاليم في بلجيكا مُجمّد”.
لذلك بلجيكا ليست دولة قومية تقليدية،بل هي “مشروع تعايش” قسري لكن ناجح عملياً. وهي مختبر حي للإتحاد الأوروبي المُصغَّر ونتعلم منها: كيفية أن تتعايش هويات مختلفة تحت سقف واحد؟ حيث أن نجاحها ليس عاطفياً (قائم على حُب الوحدة) بل واقعي خالص، بمعنى آخر (الوحدة في بلجيكا مفيدة ومريحة أكثر من الإنفصال).


